فخر الدين الرازي
209
تفسير الرازي
من الكلام والله تعالى لما قال : * ( فلا تخضعن بالقول ) * ذكر بعده * ( وقلن ) * إشارة إلى أن ذلك ليس أمراً بالإيذاء والمنكر بل القول المعروف وعند الحاجة هو المأمور به لا غيره . ثم قال تعالى * ( وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * . قوله تعالى : * ( وقرن في بيوتكن ) * من القرار وإسقاط أحد حرفي التضعيف كما قال تعالى : * ( فظلتم تفكهون ) * وقيل بأنه من الوقار كما يقال وعد يعد عد وقول : * ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) * قيل معناه لا تتكسرن ولا تتغنجن ، ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زينتكن وقوله تعالى : * ( الجاهلية الأولى ) * فيه وجهان أحدهما : أن المراد من كان في زمن نوح والجاهلية الأخرى من كان بعده وثانيهما : أن هذه ليست أولى تقتضي أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة كقول القائل : أين الأكاسرة الجبابرة الأولى . ثم قال تعالى : * ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) * يعني ليس التكليف في النهي فقط حتى يحصل بقوله تعالى : * ( لا تخضعن ، ولا تبرجن ) * بل فيه وفي الأوامر * ( فأقمن الصلاة ) * التي هي ترك التشبه بالجبار المتكبر * ( وآتين الزكاة ) * التي هي تشبه بالكريم الرحيم * ( وأطعن الله ) * أي ليس التكليف منحصراً في المذكور بل كل ما أمر الله به فأتين به وكل ما نهى الله عنه فانتهين عنه . ثم قال تعالى : * ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) * . يعني ليس المنتفع بتكليفكن هو الله ولا تنفعن الله فيما تأتين به . وإنما نفعه لكن وأمره تعالى إياكن لمصلحتكن ، وقوله تعالى : * ( ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ) * فيه لطيفة وهي أن الرجس قد يزول عيناً ولا يطهر المحل فقوله تعالى : * ( ليذهب عنكم الرجس ) * أي يزيل عنكم الذنوب ويطهركم أي يلبسكم خلع الكرامة ، ثم إن الله تعالى ترك خطاب المؤنثات وخاطب بخطاب المذكرين بقوله : * ( ليذهب عنكم الرجس ) * ليدخل فيه نساء أهل بيته ورجالهم ، واختلفت الأقوال في أهل البيت ، والأولى أن يقال هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت النبي عليه السلام وملازمته للنبي .